ابراهيم بن عمر البقاعي

664

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما كان إبراهيم عليه السّلام قد انتصب لإظهار حجة اللّه في التوحيد والذب عنها ، وكان التقدير تنبيها للسامع على حسن ما مضى ندبا لتدبره : هذه مقاولة إبراهيم عليه السّلام لأبيه وقومه ، عطف عليه قوله معددا وجوه نعمه عليه وإحسانه إليه ، دالا على إثبات النبوة بعد إثبات الوحدانية : وَتِلْكَ أي وهذه الحجة العظيمة الشأن التي تلوناها عليكم ، وهي ما حاج إبراهيم عليه السّلام به قومه ، وعظمه بتعظيمها فقال : حُجَّتُنا أي التي يحق لها بما فيها من الجلالة أن تضاف إلينا ، لأنها من أشرف النعم وأجل العطايا آتَيْناها أي بما لنا من العظمة إِبْراهِيمَ وأوقفناه على حقيقتها وبصرناه بها ، ونبه على ارتفاع شأنها بأداة الاستعلاء مضمنا لآتينا وأقمنا ، فقال : عَلى قَوْمِهِ أي مستعليا عليهم غالبا لهم قائمة عليهم الحجة التي نصبها ، ثم زاد في الإعلام بفضله بقوله مستأنفا : نَرْفَعُ أي بعظمتنا دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ بما لنا من القدرة على ذلك كما رفعنا درجة إبراهيم عليه السّلام على جميع أهل ذلك العصر . ولما كانت محاجته لهم على قانون الحكمة بالعالم العلوي الذي نسبوا الخلق والتدبير بالنور والظلمة إليه ، وكان في ختام محاجته لهم أن الجاري على قانون الحكمة أن الملك الحق لا يهين جنده فلا خوف عليهم ، وكان قبل ذلك في الاستدلال على البعث الذي هو محط الحكمة ؛ كان الأنسب أن يقدم في ختم الآية وصف الحكمة فقال : إِنَّ رَبَّكَ أي خاصا لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم بالمخاطبة باسم الإحسان تنبيها على أن حجبه الدليل عمن يشاء لحكم أرادها سبحانه ، ففيه تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم حَكِيمٌ أي فلا يفعل بحزبه إلّا ما ظنه به خليله صلّى اللّه عليه وسلّم مما يقر أعينهم ، إما في الدنيا وإما في الآخرة وإما فيهما عَلِيمٌ فلا يلتبس عليه أحد من غيرهم ، فيفعل به ما يحل بالحكمة . ولما أشار إلى رفعته بأنه بصّره بالحجة حتى كان على بصيرة من أمره ، وأنه علا على المخالفين برفع الدرجات ، أتبع ذلك ما دل عليها وعلى حكمته بعلمه بالعواقب ، فقال معلما بأنه جعله عزيزا في الدنيا لأن أشرف الناس الأنبياء والرسل ، وهم من نسله وذريته ، ورفع ذكره أبدا لأجل قيامه بالذب عن توحيده : وَوَهَبْنا لَهُ أي لخليلنا عليه السّلام بما لنا من العظمة إِسْحاقَ ولدا له على الكبر حيث لا يولد لمثله ولا لمثل زوجته وَيَعْقُوبَ أي ولد ولد ، وابتدأ سبحانه بهما لأن السياق للامتنان على الخليل عليه السّلام ، وهو أشد سرورا بابنه الذي متع به ولم يؤمر بفراقه وابن ابنه الذي أكثر